ولماذا نستمر فى عمل أى شىء أيا كان فى ظل ظروف مقيدة ومحبطة
لماذا نكتب هنا أو فى مكان أخر طالما الا شىء يتغير بعد الكتابة ولا يتحول الناس الى ملائكة ولا الوطن الى جنة ولا الحكام الى بشر؟
لماذا نستمر فى العمل
بل واكثر من ذلك لماذا نستمر فى الحياة
هذا الاحساس موجود دائما وباستمرار مع سير الحياة ومع كل ما يستجد من اكتشافات مقيتة بشأنها
لكنه يزيد ويقل
يزداد احيانا وفى وقت ما يتملكنا الاحساس باللا جدوى والعبث
احيانا تلح علينا الأسئلة بصورة مؤلمة واحيانااخرى بصورة بالغة الخطورة
فى المقال التالى لخيرى منصور
قد- اقول قد -
نجد اجابة ما
المقال عنوانه .....عازفو السفينة الغارقة
كتبه خيرى منصور بعد مشاهدته للفيلم الرائع الشهير تايتانك
الى المقال
عازفو السفينة الغارقة هؤلاء الذين اعتصم كل منهم بآلته الموسيقية وواصلوا العزف، غير عابئين بمصير السفينة والمعارك الصغري التي دارت بين عشّاق وأزواج وأغنياء وفقراء من أجل النجاة...
تايتانيك بدا لي هذا الكوكب بأسره ونحن علي اختلاف طبقاتنا ونماذجنا البشرية ركاب السفينة، وهي تشبه الي حد بعيد سفينة نوح لأن علي ظهرها أزواجا من كل الكائنات، بدءا من البشر حتي الكلاب والفئران التي تشم رائحة الغرق قبل حدوثه.
عازفو السفينة التي كانت تغرق شيئا فشيئا وسط ضجيج الاستغاثات هم فنانو العالم الذين يدركون بأنهم فانون، وان الطبيعة قد لا تكترث بهم وبما ينجزون، وربما لهذا السبب ترك الراوي في رباعية الاسكندرية للورنس داريل الطفلة تعبث بمخطوط روايته في مطبخ ذلك البيت المهجور في الجزيرة النائية حيث تعصف الريح في زوايا تعنكب فيها الزّمن، وبني الصمت اعشاشه الرمادية في صدوع السّقف.
قال الراوي... ان الطفلة التي لا تعرف معني الكتابة وتعبث بالاوراق انما تشارك أمها الطبيعة لا مبالاتها بالانسان والفنون، لهذا من الافضل عدم ردعها.
والفنانون الذين خلدوا لم يخطر ببالهم انهم سيفيضون عن مساحة قبورهم، ومنهم شكسبير الذي يقول أحد نقاده بأن فكرة الخلود لم ترد في ذهنه علي الاطلاق، بعكس العابرين الذين ألحوا علي خلودهم لكن العالم نسيهم قبل ان ينفض الغبار عن ثيابه بعد دفنهم!
الفنان يرسم والشاعر والروائي يكتبان وهم الأدري من بقية الكائنات بأنه ما من بوليصة تأمين علي استكمالهم لما يكتبون، وبالفعل ثمة فنانون ماتوا وهم في عز الرسم، وشعراء توقفت قلوبهم قبل السطر الاخير من القصيدة.
لكن هذا كله لم يحل ولن يحول دون مواصلة العزف علي ظهر سفينة تغرق، سواء حملت اسم تايتانيك او هذا الكوكب بأسره...
وحين سئل موسيفي عن معني قطعة موسيقية عزفها، أجاب علي الفور ان الطريقة الوحيدة لشرحها هي اعادة عزفها.
في السّفينة التي اسلمت نفسها للمحيط وأصبح العرق المحتم قدرها، يصبح الموت أحد العازفين، لكن علي آلة غير مرئية، قد تكون شرايين القلوب المصابة بالهلع، وقد تكون ذلك الرجاء الاخير الذي يبتكره الجسد وهو يدافع عن بقائه رغم وفرة اسباب الموت وقرائنه.
في الفيلم، يصبح العزف جملة معترضة تلوح وتختفي، وسط سياق صاخب وينصرف الركاب جميعا عن الموسيقي الي ما وراءها.
وهنا يستعيد العازفون القوس الضائع من محيط دائرتهم الزرقاء لأنهم يبدأون العزف لأنفسهم فقط، واحيانا يعزفون لأن عليهم ان يعزفوا وليس أي شيء آخر، تماما كما فضّل قبطان السفينة ان يغرق وهو ممسك بالدولاب رغم معرفته انه عاطل تماما.
ان من يموت وهو مستغرق في مهنته يبقي موته ناقصا، كأنه سيبقي الي الابد يقوم بالفعل ذاته، حتي لو لم يكن ذلك حقيقيا.
العزف المتواصل بمعزل عن غاياته قد يكون علي ظهر سفينة تغرق، او في قبو مسدود او زنزانة، لأن الانسان قد يفطم عن كل شيء بدءا من حليب أمه حتي اللغة، لكنه لا يقبل الفطام عن الحنين، سواء كان حنينا الي أرض معلومة او الي المجهول، لهذا فالانسان موسيقي بالضرورة لأنه تائق الي الاستمرار في الزمان ويشبه المجري الذي نبع من مكان ما... وما من سبيل الي العودة الي ذلك المنبع، كما أن المصبّ يتحول الي قدر محتّم !
بالطبع لم يعبأ المحيط بالعازفين، وشملهم أخيرا بالغرق، تماما كما ان المطر لا يعبأ بشاعر مدحه ذات يوم لأن الطبيعة كما قال الراوي في رباعية داريل لا تكترث بما يخلقه الانسان، فهي تحول الصرح الشاهق الي طلل، وقد ترسل فأرا لقضم آخر حبل للنجاة في سدّ مأرب او الحدائق المعلقة.
ان ما يمنح الكائن البشري جلال التراجيديا التي حظي دون سائر المخلوقات ببطولتها هو ادراكه بأن ما يصنعه قد لا يبقي، وان عوامل التعرية المزدوجة من الزمان والطبيعة تترصّد بمنجزاته، لكنه بالرغم من هذا الادراك يواصل العزف... ويموت وهو ممسك بآلته الموسيقية، لكي يظل يعزف الي الأبد.
وقد يبدو هذا صراعا مع الموت، او اشتباكا معه باليدين والأسنان، لكنه في الحقيقة اصرار علي مواصلة العزف علي ما تبقي من سطح طافٍ من سفينة تغرق !
اننا جميعا نكتب ونرسم وننحت ونغني ونعزف علي سطح كوكب يغرق، لا بالمعني الفيزيائي ايضا، فالزمن يفترسنا ببطء كما تقضم الدودة التفاحة من داخلها ولا سبيل الي مجابهة هذا العدو الأبدي والغاشم والأميّ الا بالعزف، رغم وعينا بأن أفعي الكوبرا الصمّاء لا ترقص طربا علي عزف المزمار، بقدر ما تحاول اتخاذ وضع مناسب للدغ اصابع العازف!
No comments:
Post a Comment