الكتابة هى عمل أنقلابى,يستهدف تغيير هندسة الكون وهندسة الانسان وعندما يغيب الشرط الانقلابى فى الكتابة ينتهى مبرر وجودها,بتعبير أخر , ليس ثمة كتابة لا ترج ولا تخض ولا تخلخل,ولا تحدث حفرة عميقة فى داخل الوجدان الشعبى.لا كتابة بغير تحريض,وكل قصيدة يكتبها شاعر هى تحريض لغوى على السمو والتمدن,والانعتاق والحرية.الكتابة هى الجلوس على حافة الهاوية, لا على فراش حرير, ولا على شجادة تبريزية, ولا على كرسى هزاز,انها الابحار فى فضاء من الأسئلة,دون أن يكون معك تذكرة للعودة.الكتابة ليست مصحة,ولا تكية, ولا ملجأ عجزة, ولا مركزا طبيا تعالج فيه أعصابنا بالابر الصينية, والحمامات المعدنية, وهى بالتأكيد ليست شركة تأمين, نؤمن لديها أصابعنا ضد الحريق وضد الكسر ,وضد الاصطدام ببولدوزرات النظام وشاحناته العسكرية.الكتابة ليست مقهى نشرب فيه الشاى والينسون,وليست اصطيافا على شواطىء "نيس" و"كان"و"جزر الكنارى", انها أشتياك يومى بالسلاح الأبيض ضد القبح والتخلف والفاشستى.الكتابة ليست فعل امتثال,ولا فعل رضوخ, ولا فعل تنازل, ولكنها فعل انقضاض على كل بشاعات العالم.لا يمكن للكاتب أن يهرب من رائحة البشر ومن مصافحة البشر ومن أكل خبز البشر, ومن النوم فى سرير واحد مع أحزان البشر,الكتابة هى سلطة مطلقة على الورقة, سلطة متحررة من كل الاستعمارات السياسية والاقتصادية, ومن كل الجيوش الأجنبية ومراكز القوى- سلطة لا تخضع الا لسلطتها هى..من يقول لك انه كاتب محايد, فهذا يعنى أنه كاتب ميت, ليس فى الكتابة منطقة منزوعة السلاح,أو منطقة حرام, أو منطقة تتولى قوات الأمم المتحدة فيها الفصل بين المتحاربين, الهدنة فى الكتاية مهمة مستحيلة, والكاتب الحقيقى هو الواقف دائما على الخطوط الأمامية.الكاتب ليس مواطنا فى مدينة" نعم" ولكنه مواطن فى مدينة"لا" والكتبة الذين يوقعون على بيانات السلطة دون ان يروها,انما يوقعون على شهادة وفاتهم.الكاتب الذى يعلق على جبينه نمرة من نمر السيارات الرسمية, يتحول الى شاحنة لنقل النفايات.
نزار قبانى14/12/1991
No comments:
Post a Comment